نصر حامد أبو زيد
29
الاتجاه العقلي في التفسير
فعله ، لكن هذا الربط بين القول بالقدر والوعد والوعيد والثواب والعقاب هو بلا شك من اجتهاد المعتزلة والشيعة والزيدية . وواضح من هذه الرواية أن المعتزلة والشيعة معا يحاولون أن يلصقوا بخصومهم - على لسان علي - ما اتهموهم به من تهمة القدرية ، ومن ثمّ يجعلون عليا يقول عن منكري القدر « تلك مقالة عبدة الأوثان ، وحزب الشيطان ، وخصماء الرحمن وشهداء زور ، وقدرية هذه الأمة ومجوسها » 61 وأقرب الشخصيات التي يمكن اعتبارها أساس نشأة الاعتزال هو الحسن البصري ( ت 110 ه ) أستاذ كل من واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد مؤسسي المذهب الاعتزالي باتفاق المصادر القديمة . وينتمي الحسن البصري من حيث أصوله الاجتماعية إلى قطاع الموالي ، فهو من « أهل ميسان » مولى لبعض الأنصار ، « وكان اسم أمه خيره ، مملوكة لأم سلمة زوج النبي صلى اللّه عليه وآله » 62 . ومن الطبيعي أن يكون الحسن - بكل تقواه وورعه - ناقما على بني أمية مظالمهم . ولقد بلغت سطوة الأمويين على العراق أشدها في عصر عبد الملك بن موران حين ولّي الحجاج بن يوسف عليها بعد أن قضى على ثورة ابن الزبير وهدم الكعبة . ولا شك أن مشاعر المسلمين قد استاءت إزاء هذا الاعتداء على الكعبة ومهبط الوحي ، غير أنهم كانوا يتّقون سطوة الحجاج . ولم يكن الحجاج يعرف أقدار الأتقياء ، فقد أراد أن يقتل الحسن لقول قاله في غيبته ، وما أكثر أقوال الحسن في الحجاج ، « وأمر بالنطع والسيف فأحضرا ، ووجه إليه ، فلمّا دنا الحسن من الباب ، حرّك شفتيه والحاجب ينظر إليه ، فلمّا دخل قال له الحجاج : هاهنا ، وأجلسه قريبا من فرشه ، وقال له : ما تقول في علي وعثمان ؟ قال : أقول قول من هو خير مني عند من هو شر منك قال موسى عليه السلام لفرعون إذ قال له : فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى . قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى : ( طه : 51 - 52 ) : علم علي وعثمان عند اللّه تعالى » 63 . ولقد كان من شأن هذه القسوة في معاملة الحسن وأمثاله - على قدرهم وورعهم - أن تجعلهم أقرب إلى المهادنة والتقية ، على الأقل في مواجهة الحجاج وأمثاله . وإن كانوا حين يخلون إلى تلاميذهم يعلنون رأيهم بصراحة . وقد روي أن الحسن تلا يوما : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ ( الأحزاب : 72 ) ، ثم قال : « إن قوما غدوا في المطارف العتاق ، والعمائم الرقاق ، يطلبون الامارات ويضيعون الأمانات ، يتعرضون للبلاء وهم منه في عافية ، حتى إذا أخافوا من فوقهم من أهل العفّة ، وظلموا من تحتهم من أهل الذمّة أهزلوا دينهم